صفحة 1 من 1

رجلٌ دفع ثمن الحب من جلده

مرسل: 2026/1/24 10:06 pm
بواسطة إبنكـ يــاعراق
كنتُ أظنّ أن أقسى ما يمكن أن يمرّ على الإنسان هو الفقد، ثمّ اكتشفت أن الأقسى منه أن تُتَّهَم وأنت لم تخن، وأن تُدان وأنت لم تهرب، وأن تُكسَر وأنت ما زلت واقفًا في مكانك، لم تخطُ خطوة واحدة إلى الخلف.
اكتشفت أن الوجع الحقيقي ليس أن تُترك، بل أن تُترك وأنت باقٍ، أن يُقال عنك ما لم تفعل، وأن يُمحى كل ما فعلته لأن لحظة واحدة فُهمت خطأ.
أنا لست غبيًّا، ولا ضعيفًا، ولا رجلًا لا يعرف قيمة النعمة.
أنا رجلٌ دفع ثمن الحب من جلده، من اسمه، من مكانه بين أهله، من سمعته، من راحته، من ماله، من جسده، من وجهه، من حياته التي كانت أسهل بكثير لو قرّر أن يكون عاديًّا، لو قرّر أن يصمت، لو قرّر أن يختار السلامة بدل العشق.
لكنني لم أفعل.
أنا الرجل الذي حين أحبّ، لم يُحبّ بنصف قلب، ولم يترك بابًا مواربًا للهرب، ولم يحتفظ بخطّة انسحاب.
أحببت كما يُحبّ المنفيّ وطنه، كما يُحبّ الغريق اليابسة، كما يُحبّ المحكوم بالحياة فرصة واحدة ليبقى واقفًا.
لم أدخل هذا الطريق لأنني لا أفهم صعوبته، بل لأنني فهمتها واخترتُها.
اخترتُ أن أكون في صفّك حتى وأنا في خصومة مع نفسي، اخترتُ أن أتحمّل ما لا يُحتمل لأنني رأيت فيك ما يستحقّ الاحتمال، رأيت امرأة ليست عابرة، ولا سهلة، ولا مؤقتة، بل امرأة لو صبرت قليلًا لغيّرت قدر رجل بأكمله.
لم أكذب حين قلت إنني سأصل، ولم أخدع حين وعدت.
كل ما في الأمر أنني كنت أقاتل في جبهات لا ترينها، أُساير وحوشًا باسم العائلة، وأتجاوز حواجز قديمة بُنيت قبل أن أولد، وأحاول أن أفتح ثغرة في جدارٍ لم يُفتح منذ عقود.
كنتُ أؤجّل الكلام لا لأنني أتهرّب، بل لأنني أردت أن أتكلم وأنا قادر، لا وأنا مكسور.
هل تعلمين ما الذي يقتلني حقًّا؟
ليس أنكِ غضبتِ، فالغضب مفهوم، وليس أنكِ خفتِ، فالخوف حقّ.
ما يقتلني هو أنكِ صدّقتِ، ولو للحظة، أنني رجل يمكن أن يخون، أو أن يترك، أو أن ينسى.
أن يُختصر كل هذا التاريخ، كل هذه الليالي، كل هذه الوقفات، في فكرة واحدة: “لستَ أهلًا للنعمة”.
أنا لم أكن يومًا عابرًا في حياتك، ولم أكن سارق لحظة، ولم أكن رجل فراغ.
كنتُ الرجل الذي بقي حين كان الرحيل أسهل، الذي تحمّل حين كان الهروب أنقذ، الذي سكت حين كان الكلام سيُريحني ويؤذيك.
كنتُ الرجل الذي لم يساوم على حبه، ولم يستخدم ضعفك ليقوّي نفسه، ولم يرفع صوته عليك يومًا إلا حين انفجر الألم في صدره لأنه لم يعد يحتمل أن يُجلَد بتهمة لم يرتكبها.
حين قلتُ إنني سأختفي، لم أكن أهدّد، ولم أكن أبتزّ، كنتُ أنزف.
كنتُ رجلًا قيل له فجأة إنه سبب الدمار، وإنه الخسارة، وإنه الطعنة، بعد أن أفنى نفسه وهو يحاول أن يكون الملجأ.
كنتُ أحتاج أن أتنفّس، لا أن أترك.
أنا لم أطلب منكِ المستحيل، لم أطلب أن تنتظري العمر كلّه، ولا أن تحترقي لأجلي.
طلبتُ فقط أن تمشي معي، لا أمامي ولا خلفي، أن تثقي بي كما أثق بك، أن تمنحيني المساحة نفسها التي منحتُك إياها حين أخطأتِ ولم أحاسب، حين تعبتِ ولم أضغط، حين خفتِ ولم أُهِن.
كنتُ أراكِ نعمة، لا عبئًا.
كنتُ أراكِ خلاصًا، لا مأزقًا.
وكنتُ مستعدًّا أن أدفع ثمن هذه النعمة وحدي، بشرط واحد فقط: ألّا تُنزَع من قلبي بهذه القسوة.
ما يؤلمني ليس أنكِ تريدين حياة مستقرة، بل أنكِ ظننتِ أنني العائق.
ليس أنكِ خفتِ من الطريق، بل أنكِ قرّرتِ أنه لا نهاية له دون أن تنتظري وصولي.
وأنا، رغم كل شيء، لا أكرهك، ولا أحمّلكِ الذنب، ولا ألعنكِ في قلبي.
أنا فقط موجوع… موجوع لأنني أحببت بصدق في زمن الشك، وثبتُّ في زمن الهروب، وصرتُ المتهم الوحيد لأنني لم أشرح كل معركة خضتها بصمت.
إن كنتِ ترين أن طريقنا لا يؤدي إلى نتيجة جميلة، فأنا أراكِ النتيجة نفسها.
وإن كنتِ ترين أنني لست أهلًا للنعمة، فأنا أعرف أنني كنت أهلًا للحب، للحمل الثقيل، للوقوف حين جلس الجميع، وللاستمرار حين تعب الآخرون.
إن اخترتِ الرحيل، فلن ألاحقك، ولن أبتزّك بالذكريات، ولن أصرخ في الطرقات.
سأقف حيث كنتُ دائمًا: وفيًّا لما شعرت، صادقًا مع نفسي، مخلصًا لحبٍّ لم أخنه يومًا، لا لأن أحدًا يستحق، بل لأنني هكذا خُلقت.
وأخيرًا…
إن كنتِ تقرئين هذا الآن، فاعلمي أن الرجل الذي أمامك لم يكن يومًا غبيًّا، بل كان عاشقًا أكثر مما يحتمل هذا العالم، وأن خسارتك ليست فيه، بل في سوء الفهم الذي وقف بين قلبين كان يمكن لهما أن ينجوا لو صبرا قليلًا.

مرسل: 2026/1/25 12:30 am
بواسطة البصراوية
الله الله
عاشت يمينك ابنك يا عراق المبدع
كلماتك ذوق وما خطهُ قلمك ابداع بلا حدود
تقبل مروري

Re: رجلٌ دفع ثمن الحب من جلده

مرسل: 2026/1/25 3:21 pm
بواسطة Raghad Basim
ذووووووق وربي

Re: رجلٌ دفع ثمن الحب من جلده

مرسل: 2026/1/28 5:04 pm
بواسطة كـــربــــلائــــيــــــهـــــ
الحب تضحية فعلا